سلط المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) الضوء على موقف مصر من تصاعد التوترات في الخليج جراء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، واصفًا ردها بأنه كان حذرًا ومتأنيًا، فبينما أعربت عن قلقها إزاء تصاعد الصراع متجنبةً الإشارة إلى العملية الأمريكية الإسرائيلية- أدانت بشدة الهجمات التي استهدفت دول الخليج.
وقال إن رد مصر المتزن يعكس الضغوط المختلفة التي تُشكّل سياستها الخارجية: تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع شركاء خليجيين، كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وسلام هش مع إسرائيل، وعلاقة حذرة ولكنها براجماتية تاريخيًا مع إيران.
التداعيات الاقتصادية
لكن التقرير أشار إلى التداعيات الاقتصادية للصراع على مصر قد تكون وخيمة، وذلك بعد أن حذر (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي من أن التصعيد يُزعزع بالفعل استقرار أسواق الطاقة العالمية، لا سيما مع تهديد التوترات لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات عبور النفط في العالم. وقد ساهمت اضطرابات حركة الملاحة البحرية عبر المضيق- الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية - في ارتفاع أسعار الطاقة في الأيام الأخيرة.
وعلى ضوء ذلك، أوضج التقرير أن ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات بالنسبة لمصر، ويُضيف ضغطًا إضافيًا على اقتصاد بدأ يتعافى مؤخرًا بعد سلسلة من الصدمات الإقليمية والاقتصادية. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يُرهق المالية العامة ويُعقّد جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وذكت أن الأزمة بدأت بالفعل تؤثر على القطاعات الاقتصادية الرئيسة في مصر. فقد أدى تراجع حركة الشحن، المرتبط بعدم الاستقرار الإقليمي، إلى انخفاض حركة الملاحة عبر قناة السويس، أحد أهم مصادر إيرادات مصر من العملات الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، زاد تعليق صادرات الغاز الطبيعي الإسرائيلي من حقلي تمار وليفياثان، عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، من الضغط على منظومة الطاقة المصرية. وكانت القاهرة قد بدأت بالفعل باستيراد الغاز الطبيعي المسال عبر وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة لتلبية الطلب المحلي المتزايد والحد من مخاطر نقص الكهرباء.
ومع ذلك، فقد أدت الاضطرابات الأخيرة إلى تعقيد خطط الإمدادات، كما أجبر مصر على تعليق تدفقات الغاز إلى لبنان وسوريا عبر خط أنابيب الغاز العربي لإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية.
ويحذر محللون من أن انخفاض عائدات القناة، وارتفاع تكاليف الطاقة، وعدم اليقين الإقليمي الأوسع نطاقًا، قد تزيد من الضغط على الانتعاش الاقتصادي الهش لمصر إذا استمر الصراع. وقد تُعقّد هذه الضغوط جهود الإصلاح الاقتصادي التي تبذلها الحكومة في إطار برنامجها مع صندوق النقد الدولي، والمقرر استمراره حتى نهاية عام 2026.
قطاع السياحة
ووصف المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، قطاع السياحة بأنه يشكل ركيزة أساسية أخرى للاقتصاد المصري، إذ يُساهم بنسبة تتراوح بين 8 و8.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يواجه ضغوطًا متجددة في حال تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي.
استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح في عام 2025، مسجلةً بذلك رقمًا قياسيًا للقطاع وزيادة ملحوظة في أعداد السياح. وقد أصبحت عائدات السياحة مُحركًا هامًا لتدفقات العملات الأجنبية والنمو الاقتصادي، مما يجعل القطاع شديد الحساسية لعدم الاستقرار الإقليمي، الذي قد يُثني السياح عن السفر إلى الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، أشار تأثير أجواء عدم الاستقرار على العلاقات الاقتصادية لمصر مع دول الخليج، إذ يعيش ويعمل ملايين المصريين في دول الخليج، من بينهم نحو 1.5 مليون في السعودية، ومئات الآلاف في الإمارات، وأكثر من 600 ألف في الكويت.
وتمثل التحويلات المالية التي يرسلها هؤلاء العمال إلى البلاد أحد أهم مصادر العملات الأجنبية لمصر، حيث بلغت 37.5 مليار دولار أمريكي في عام 2025. وقد بدأت بالفعل اضطرابات السفر والمجال الجوي في المنطقة تؤثر على التنقل بين دول الخليج، حيث تنسق السلطات المصرية مع السلطات السعودية للسماح للمصريين القادمين برًا من دول الخليج المجاورة بالحصول على تأشيرات دخول طارئة لمغادرة المطارات السعودية والعودة إلى ديارهم.
وفي حال تصاعد الصراع، فقد يؤثر أيضًا على اقتصادات دول الخليج نفسها، مما قد يحد من الدعم المالي والاستثماري الذي قدمته دول مثل السعودية والإمارات، للمساعدة في استقرار الاقتصاد المصري في السنوات الأخيرة.
العواقب الدبلوماسية
أوضح التقرير أنه لطالما سعت مصر إلى ترسيخ مكانتها كقوة استقرار في العالم العربي، مؤكدةً أهمية "موقف عربي موحد لحماية الاستقرار الإقليمي والمصالح العربية".
تاريخيًا، لعبت القاهرة دور الوسيط في العديد من النزاعات الإقليمية، مستفيدةً من ثقلها الدبلوماسي وموقعها الجغرافي لتشجيع الحوار وخفض التصعيد، فمن المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل إلى التنسيق الدبلوماسي العربي الأوسع، قدمت مصر نفسها مرارًا وتكرارًا كوسيط مركزي قادر على رأب الصدع في المنطقة، كما حدث في دبلوماسية رئيسية، مثل اتفاق وقف إطلاق النار بشرم الشيخ.
إلا أن الحرب الحالية - كما يحذر التقرير- تضع هذا الدور تحت ضغط كبير، فمع تصاعد التوترات في منطقة الخليج، تجد مصر نفسها مضطرة إلى الموازنة بين موقفها الدبلوماسي التقليدي، وضرورة الوقوف بحزم إلى جانب أقرب شركائها العرب.
موقف دول الخليح
وازدادت أهمية دول مثل السعودية والإمارات والكويت بالنسبة لمصر خلال العقد الماضي، حيث قدمت لها مساعدات مالية واستثمارات ودعمًا سياسيًا خلال فترات التوتر الاقتصادي والسياسي. وتتشارك مصر وعدد من دول الخليج مخاوف بشأن عدم الاستقرار الإقليمي والأمن البحري واحتمال توسع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، باتت القاهرة أكثر ميلاً إلى تبني مواقف دول الخليج بشأن القضايا الإقليمية الرئيسة، مما يعكس ليس فقط المخاوف الأمنية المشتركة، بل أيضًا الأهمية الاقتصادية والسياسية المتنامية للشراكات الخليجية بالنسبة لمصر.
في الوقت نفسه، أشار إلى تأثر حسابات مصر الدبلوماسية بشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وعلاقتها الأكثر حذرًا مع إيران. فقد حافظت القاهرة على شراكة استراتيجية مع واشنطن منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، ترتكز على التعاون العسكري والتنسيق الأمني والمساعدات الاقتصادية، مما جعل الولايات المتحدة ركيزة أساسية في علاقات مصر الخارجية.
في المقابل، لفت إلى أن علاقات مصر مع إيران ظلت محدودة منذ انقطاع العلاقات عقب الثورة الإيرانية عام 1979 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فضلًا عن قرار القاهرة منح اللجوء للشاه المخلوع، على الرغم من إعادة فتح قنوات الاتصال بين الحين والآخر في السنوات الأخيرة.
وقال المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، إن هذه الديناميكيات تضع مصر في موقف معقد في الأزمة الراهنة، إذ تسعى إلى التوافق سياسيًا مع شركائها الخليجيين والحفاظ على التعاون مع واشنطن، مع تجنب المواجهة المباشرة مع طهران ومواصلة التركيز على خفض التصعيد الإقليمي.
https://www.ispionline.it/en/publication/the-gulf-crisis-through-egypts-eyes-232006

